الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

120

نفحات الولاية

الصورة الإنسانية ، ولذلك أمرهم اللَّه سبحانه لما أتم خلقه بالسجود « اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلّا إِبْلِيسَ » « 1 » . ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ هذا الأمر قد يكون مستغرباً لدى الملائكة ويثير اندهاشهم ولعلهم يتساهلون في امتثاله لولا تلك المقدمة بذلك العهد الذي أخذ عليهم ، ولذلك أعدهم اللَّه سبحانه لهذا الأمر مسبقاً ليعلم أنّ مثل هذه المقدمات ضرورية في الأوامر المهمّة . ثم يتطرق عليه السلام إلى الدوافع التي وقفت وراء تمرد إبليس فقال عليه السلام : « اعترته الحمية « 2 » وغلبت عليه الشقوة وتعزز بخلقة النار واستوهن خلق الصلصال » . فالواقع أنّ العامل الأصلي لتمرده إنّما كان تلوثه الباطني والذي عبر عنه بالشقوة إلى جانب الكبر والغرور والحمية والأنانية التي تفرزها طبيعة ذلك الدنس الباطني والذي غلب على فكره وأعمى بصيرته ليصده عن رؤية الواقع فيغتر بخلقة النار ويراها أعظم شأناً من خلقة الطين والتراب ؛ التراب الذي يعتبر مصدر جميع الخيرات والبركات والمنافع والفوائد ، بالتالي حسب أن علمه ومعرفته إنّما تفوق حكمة اللَّه - طبعاً لا يبدو هذا الحكم غريباً من الأفراد الذين يغرقون في مثل هذا الحجب ؛ فالإنسان الأناني المضروب عليه بحجاب الغرور قد يرى القبة حبة والحبة قبة أحياناً ، فعباقرة الفكر وجهابذة العلم إذا ما ابتلوا بالغرور والأنانية وحب الذات ربما يرتكبون أفضع الأخطاء والزلات . فالمراد بالشقاوة هنا تلك الموانع الباطنية والصفات الرذيلة التي كانت لدى الشيطان ، وهى الموانع والصفات الاختيارية النابعة من أفعاله السابقة وهى ليست شقوة ذاتية وغير اختيارية ؛ لأنّ الشقاوة تقابل السعادة . وتعني السعادة توفير الإمكانات وتمهيد السبيل من أجل الحركة نحو الصلاح والشقاوة تعني المطبات والصعوبات التي تعترض هذا السبيل ؛ والمهم أنّ كل هذه الأمور إنّما تنبع من ذات أفعال الإنسان وسائر الموجودات المختارة لا أنّها تستند إلى العوامل الجبرية والقهرية . على كل حال فان إبليس قد ارتكب هذه المعصية الكبرى والخطأ الجسيم ليسقط

--> ( 1 ) سورة البقرة / 34 . ( 2 ) « الحمية » من مادة « حمى » على وزن نهى معناها الأصلي الحرارة التي تنتج من الشمس والنار والمواد الأخرى أو من داخل جسم الإنسان ، كما يعبر أحياناً بالحمية عن القوة الغضبية حيث إنّ حالة الإنسان تشتعل آنذاك ، ويطلق الحمى على حرارة البدن حين الارتفاع .